علي بن أحمد المهائمي
634
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وجب اختلاف الشرائع مع أن حلال شريعة ليس عين حرام الأخرى مع اتحادهما بالشخص أو النوع . ( فلهذا نبهناك ) لئلا تتحير حيرة اليهود بعد ما نبّههم اللّه في حق موسى عليه السّلام ، ( فكنى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع ) مع تحليلها لغيره ، ففيه إشارة إلى أن له شريعة مختصة ليست لغيره ، وكذا لكل رسول بعده ، وإذا كان الرضاع بظاهره مفيدا لإحياء البدن ، وتنميته وتقويته ، وبباطنه مفيدا لإحياء الروح والقلب ، وتنميتهما وتقويتهما بالشرائع ، ( فأمه على الحقيقة من أرضعته ) إحدى الرضاعين ؛ لأن منهما الكمال المطلوب للبدن ، أو للروح والقلب ( لا من ولدته ) ، وإن كان لها أصل النشأة والتربية في البطن ، ( فإن أم الولادة ) في أمر النشأة حملته ( على جهة الأمانة ) نطفة من الوالد ، ولا كمال له فيه بالفعل ( فتكون فيها ) ، وهو وإن كان كمالا له بالفعل ، فلا يعتد به بدون بقائه ، وهو بالتربية ، والتربية التي منها لا تعتد بها ؛ لأنها بأن ( تغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك ) ، والمنة اللازمة للتربية منوطة بها ، فنفيت الإرادة ( حتى لا يكون لها عليه امتنان ) ، بل يكون له عليها امتنان . ( فإنه ما تغذى ) في بطنها ( إلا بما ) أنه ( لو لم يتغذ به ) ، وأيضا ( لم يخرج ذلك الدم عنها لأهلكها ) ، ولو لم يهلكها ( لأمرضها ، فللجنين ) في تربيتها إياه بهذا الوجه ( المنّة على أمه ) المربية له ؛ ( لكونه تغذى بذلك الدم ) ، إذ أفادها أتم مما استعاد منها ، ( فوقاها بنفسه ) من غير فعل لأمه ( من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها ) ، وذلك الضرر ( بألا يخرج ) دم طمثها ؛ لانسداد الرحم ، ( ولا يتغذى به جنينها ) ، فيغلب الخلط الدموي على سائر الأخلاط ، فيبطل اعتدال مزاجها ، وهو موجب الهلاك أو المرض . ( والمرضعة ليست كذلك ) أي : كألم الولادة استعادت أكمل مما أفادت ، ( فإنها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه ) ، ولا شيء أجل منهما يستفيده من الرضع ، وإذا كانت المنة التامة للمرضعة لآلام الولادة مع أن لها عليه منة ، ( فجعل اللّه تعالى ذلك ) الإرضاع ( لموسى في أم ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل ) أي : منة ( إلا لأم ولادته ) ؛ تقليلا لمنة الخلق عليه ، كأنه مان غير ممنون عليه من جهة الخلق ؛ وتكميلا لسرور أمه ( لتقر عينها أيضا بعد ) تقريرها بالنجاة من الغرق والقتل بتربيته ، وإنما كانت ( تربيته ) تقريرا لعيناها ، بأن ( تشاهد انتشاءه في حجرها ، وَلا تَحْزَنَ ) بغيبته ، والحزن حار ، فزواله موجب لقرة العين . [ ونجّاه اللّه تعالى من غمّ التّابوت ، فخرق ظلمة الطّبيعة بما أعطاه اللّه من العلم الإلهيّ وإن لم يخرج عنها ، وفتنه فتونا أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقّق في نفسه